التعديات على الحرم النهري: جريمة تهدد الأمن المائي

بقلم/ إيمان سامي عباس

منذ فجر التاريخ ظل النيل شريان حياة مصر، بنى عليه أهلها حضارة وأعطى للأرض هويتها وقدسيتها. لكن في السنوات الأخيرة لم يعد الخطر الذي يطال النهر محصورًا في عوامل طبيعية أو مشروعات كبرى فحسب؛ فقد برز تهديد أخطر — فيضان الشائعات — الذي يبتلع الحقيقة ويهدد استقرار المجتمع.

ظاهرة ليست وليدة الاحداث

لم تكن التعديات على طرح النهر وليدة لحظة؛ فهي ظاهرة متأصلة تغاضت عنها أحيانًا جهات محلية وأفراد، حتى تحولت من مخالفات إلى جرائم بيئية وأمنية. منازل تقام داخل الحرم، وزراعات تسد مجاري المياه، وتخزينات عشوائية تغيّر ديناميكية النهر وقدرته على استيعاب الزيادات في المنسوب. هذه السلوكيات ليست مجرد انتهاكات تورث غرامات، بل تضع حياة القرى والمدن تحت رحمة أي ارتفاع مفاجئ في المياه. وعلى الرغم من تحذيرات وزارة الري والتعليمات المتكررة بإخلاء الحرم النهري، غالبًا ما تصل المواجهة متأخرة بعد وقوع الضرر.

تراكم عوامل فنية مؤثرة

الأحداث الأخيرة أظهرت أن الارتفاع في منسوب المياه لم يكن نتيجة كارثة مائية خارقة، بل تراكم عوامل فنية ومؤثرة: ارتباك في تشغيل بعض السدود الإقليمية، تزايد للأمطار الموسمية، وتأثيرات سلبية لحالة عدم الاستقرار في دول الجوار. وفي هذا الإطار اكتسبت مصر درجة من الجاهزية العملية، واتخذت وزارة الري سيناريوهات تصريف مدروسة للتعامل مع الموقف.

أما أخطر ما رافق الحدث فهو طوفان المعلومات الخاطئة. انتشرت مقاطع ومنشورات على منصات التواصل تزعم وقوع فيضانات واسعة في صعيد مصر بينما كانت أجزاء من تلك المواد تعود لأحداث سابقة في دول أخرى. صفحات وقنوات أقل حرصًا صنعت عناوين درامية لجذب المشاهدات، فعمّت حالة من الهلع والتشتت بلا مبرر. أسوأ من ذلك أن بعض وسائل الإعلام التقليدية رضخت لوتيرة التضخيم بدلًا من أن تضع الحقائق في نصابها، فتجاهلت جذور المشكلة الحقيقية — التعديات البشرية — وخلطت بين كارثة مائية وإخفاق في تطبيق القانون.

كاتبه المقال/. إيمان سامي عباس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.