لماذا تصاعدت الغارات الجوية والاشتباكات بين أديس أبابا وقوات تيجراي الآن؟
لماذا تصاعدت الغارات الجوية والاشتباكات بين أديس أبابا وقوات تيجراي الآن؟
✍️ بقلم: طه المكاوي
رغم مرور أكثر من عامين على توقيع اتفاق السلام الذي أنهى واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الإفريقي، عادت مؤشرات التوتر مجددًا لتخيم على العلاقة بين الحكومة الإثيوبية المركزية وقوات جبهة تحرير شعب تيجراي، في تطور يعكس هشاشة التسوية السياسية التي أوقفت القتال دون أن تُنهي أسبابه. فالغارات الجوية الأخيرة بالطائرات المسيّرة، وما تبعها من اشتباكات ومناوشات متقطعة، أعادت إلى الواجهة مخاوف حقيقية من انزلاق البلاد نحو جولة جديدة من الصراع.
تصعيد عسكري يعيد فتح جراح الحرب
الضربات الجوية التي استهدفت شاحنات قرب منطقتي إنتيشو وجينديبتا شمال إقليم تيجراي، وأسفرت عن مقتل شخص وإصابة آخر، تمثل أخطر تطور أمني منذ توقيع اتفاق بريتوريا للسلام في أواخر 2022. ورغم تضارب الروايات حول طبيعة الأهداف—بينما تصفها سلطات الإقليم بأنها شاحنات مدنية تحمل مواد غذائية، تؤكد مصادر مؤيدة للحكومة أنها كانت تنقل أسلحة—فإن الرسالة الأهم لا تكمن في طبيعة الشاحنات، بل في عودة خيار القوة إلى طاولة التعامل بين الطرفين.
هذا التصعيد يعكس حقيقة أساسية مفادها أن وقف إطلاق النار لم يتحول إلى سلام مستدام، بل ظل هدنة قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي.
اتفاق سلام هش بلا جذور سياسية
لم يكن اتفاق 2022 أكثر من حل مؤقت لوقف نزيف الحرب التي اندلعت في نوفمبر 2020، وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين. الاتفاق أوقف القتال، لكنه لم يُعالج القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها:
مستقبل الحكم الذاتي لإقليم تيجراي
ملف نزع السلاح الكامل لقوات الجبهة
إعادة دمج الإقليم سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا في الدولة الإثيوبية
غياب جدول زمني واضح لتنفيذ هذه البنود، وانعدام الثقة المتبادلة، جعلا الاتفاق أقرب إلى وقف قسري لإطلاق النار منه إلى تسوية تاريخية شاملة.
الغارات الجوية… ردع أم تمهيد لفرض الأمر الواقع؟
لجوء الحكومة الإثيوبية إلى الطائرات المسيّرة يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري. فهو:
رسالة ردع مباشرة لقوات تيجراي مفادها أن أي تحركات عسكرية ستُواجه بحزم
تأكيد على أن الدولة المركزية ما زالت تمتلك التفوق الجوي والتقني
اختبار غير معلن لردود فعل الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي
في المقابل، ترى تيجراي أن هذا التصعيد يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وإضعاف موقفها التفاوضي مستقبلًا، خاصة في ظل تعثر مسار المصالحة السياسية.
الاقتصاد والضغط الاجتماعي وقود التوتر
إلغاء الخطوط الجوية الإثيوبية جميع رحلاتها إلى الإقليم لم يكن قرارًا فنيًا بحتًا، بل خطوة ذات أثر نفسي واقتصادي عميق. حالة الذعر التي دفعت السكان إلى سحب مدخراتهم، في ظل نقص حاد في السيولة، تكشف هشاشة الوضع المعيشي في تيجراي، حيث ما زالت آثار الحرب السابقة حاضرة بقوة.
كما أن الحكومة المركزية نفسها تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة، تجعلها أقل ميلًا لتقديم تنازلات سياسية، وأكثر اعتمادًا على الأدوات الأمنية لضبط الأوضاع.
دعوة الاتحاد الأفريقي… محاولة لتدويل الأزمة
دعوة إدارة إقليم تيجراي للاتحاد الأفريقي للتدخل العاجل تعكس إدراكًا واضحًا لخطورة اللحظة الراهنة. فالإقليم يدرك أن أي مواجهة عسكرية جديدة ستكون كارثية، ليس فقط على تيجراي، بل على استقرار إثيوبيا والمنطقة بأكملها.
هذه الخطوة تهدف إلى:
منع انفراد الحكومة بالحل العسكري
إعادة الزخم لمسار الوساطة الإقليمية
تذكير الأطراف بأن الصراع الإثيوبي له تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية
هل نحن أمام حرب جديدة؟
حتى الآن، يمكن توصيف المشهد باعتباره تصعيدًا محسوبًا لا حربًا شاملة. لكن التاريخ القريب لإثيوبيا يُظهر أن الحروب الكبرى بدأت غالبًا بمناوشات محدودة وسوء تقدير سياسي.
استمرار الغارات الجوية، وتكرار الاشتباكات، وغياب آليات فعالة لبناء الثقة، كلها عوامل تجعل سيناريو الانزلاق إلى صراع أوسع احتمالًا واقعيًا، لا مجرد تهويل إعلامي.
خلاصة المشهد
ما يحدث اليوم بين أديس أبابا وتيجراي هو نتاج سلام لم يكتمل، ودولة تحاول إعادة تثبيت سلطتها، وإقليم يخشى تكرار تجربة الإقصاء والقوة. وبين هذا وذاك، يقف المدنيون مرة أخرى على حافة المجهول.
السؤال لم يعد: هل يعود الصراع؟
بل: هل تمتلك الأطراف الشجاعة السياسية لمنع عودته قبل فوات الأوان؟