هل ما لا نجرؤ على الاعتراف به في اليقظة، يظهر صادقًا في الحلم؟
هل ما لا نجرؤ على الاعتراف به في اليقظة .. في ساعات اليقظة نتقن فنّ الإخفاء، نختار كلماتنا بعناية، نهذب مشاعرنا، ونضع أقنعة اجتماعية تحمينا من المواجهة مع الآخرين، وربما مع أنفسنا ايضًا لكن حين نغفو يسقط هذا الحذر، وتنسحب الرقابة ويبدأ العقل الباطن في الحديث بلغته الخاصة لغة الحلم التي يهمس بها القلب حين يعجز الوعي عن الكلام.
الكاتبة/ زينب محمد شرف

الحلم ليس هروبًا من الواقع، بل نافذة لما نخفيه عن أعيننا
الحلم ليس هروبًا من الواقع، بل نافذة لما نخفيه عن أعيننا رغباتنا المكبوتة، مخاوفنا المؤجلة، وحقائقنا التي لم نجرؤ على مواجهتها، الحلم ليس مجرد صور عشوائية أو بقايا يوم متعب، بل مساحة حرة تتسلل إليها الرغبات المكبوتة، والمخاوف المؤجلة، والحقائق التي لم نمتلك شجاعة مواجهتها في اليقظة، ما نخفيه خوفًا من الرفض، أو إنكارًا للألم، أو حفاظًا على صورة رسمناها لأنفسنا، قد يظهر في الحلم بلا تجميل ولا أقنعة.
كثيرًا ما نحلم بأشخاص لا نعترف بتأثيرهم علينا، أو بمواقف نظن أننا تجاوزناها، أو بمشاعر نصرّ في وعينا على أنها انتهت، وهنا يطرح الحلم سؤالًا صامتًا لكنه حاد، هل انتهت فعلًا؟ أم أننا فقط أقنعنا أنفسنا بذلك؟

الحلم يتكلم بوضوح
الحلم لا يكذب، لكنه لا يتكلم بوضوح؛ بل يرمز، يلمّح، ويترك لنا مهمة الفهم، فالأحلام ليست مجرد صور، بل انعكاس صادق للصراعات الداخلية والرغبات المقهورة، مرآةٌ لما نخفيه عن أنفسنا والآخرين.
يرى علم النفس، خاصة في المدرسة التحليلية، أن الأحلام تمثل نافذة على اللاوعي، حيث تُخزّن التجارب غير المعالجة، والصراعات الداخلية، والرغبات التي قُمعت لأسباب أخلاقية أو اجتماعية، فحين يمنع العقل الواعي فكرة ما من الظهور، لا تختفي، بل تنتقل إلى عمق النفس، وتبحث عن منفذو، غالبًا ما يكون الحلم هو هذا المنفذ الآمن.
ومع ذلك، لا يعني كل حلم اعترافًا مباشرًا بحقيقة خفية، فالأحلام ليست محاضر تحقيق، بل مرايا مشوّهة تعكس الحقيقة بلغة الرمز، قد نحلم بالهرب، لا لأننا جبناء بل لأننا متعبون، وقد نحلم بالسقوط لا لأننا فاشلون، بل لأننا نخشى فقدان السيطرة، والصدق في الحلم لا يكون دائمًا حرفيًا، لكنه عاطفي بامتياز.
اليقظة يحكمها المنطق
عندما اليقظة يحكمها المنطق فقط، فالحلم يصبح مكان الصدق المطلق، حيث تظهر أرواحنا بلا رقابة
الفرق الجوهري بين اليقظة والحلم، أن الأولى تحكمها المنطق والمصلحة والخوف، بينما الثاني تحكمه المشاعر الخام، لذلك، قد نكون في الحلم أكثر صدقًا مع أنفسنا مما نحن عليه في الواقع، ليس لأننا نريد ذلك، بل لأننا لا نملك خيارًا آخر.
محبوبى ما في قلبي لك لا يريد أن يُسمَع، لكنه يرفض الصمت، فيقودني كل ليلة إلى أحلام لا أعرف فيها العودة
ومن هذا المنطلق، يبقى الحلم رسالة لا تُفرض، بل تُقرأ، قد نتجاهلها، وقد نفسّرها، وقد نخاف منها، لكن المؤكد أن ما لا نجرؤ على الاعتراف به في وضح النهار، يبحث دائمًا عن ليلٍ يقول فيه الحقيقة بطريقته الخاصة، وختامًا ما في قلبي لك لا يطلب أن يُسمَع، لكنه يرفض أن يصمت، فيطردني كل ليلة إلى أحلامٍ لا أعرف فيها طريق العودة.