من بهتيم إلى ناسا: رحلة العالم المصري أحمد سليمان في كشف أسرار نشأة الكون

البحث عن بداية الزمن: عالم مصري في ناسا يفتش عن أول ضوء في الكون

الدكتور أحمد سليمان

موجات من بداية الخلق: باحث مصري في فريق علمي عالمي يطارد “أسرار اللحظات الأولى” للكون

كتب : عربي أبو سنة

في قلب مدينة بهتيم بشبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، حيث تبدأ أحلام بسيطة، ولدت رحلة استثنائية قادت أحد أبنائها إلى مشارف الكون الأولى. إنه الدكتور أحمد سليمان، الباحث المصري الذي حول إصراره إلى جسر عابر للقارات، من كلية الهندسة بشبرا إلى مختبرات الدفع الصاروخي في وكالة ناسا وجامعة كالتك المرموقة، ليصبح العالم العربي الوحيد المشارك في مشروع علمي طموح يبحث في اللحظات الأولى لنشأة الكون.

الدكتور أحمد سليمان
الدكتور أحمد سليمان

من أحلام شبرا الخيمة إلى صعوبات الرفض

لم تكن الرحلة مفروشة بالورود. ينحدر سليمان من أسرة مصرية ميسورة الحال، وواجه عقبة كبيرة في بداية مسيرته تمثلت في الصعوبات المادية لتحقيق حلم الدراسة بالخارج. تخرج عام 2009 من كلية الهندسة بشبرا (جامعة بنها) بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف في قسم هندسة الاتصالات، ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة عين شمس بتقدير امتياز.

لكن محاولاته الأولى للتقدم لمنح الدكتوراه في جامعات مرموقة مثل ستانفورد وكالتك واجهت الرفض. لم يقنع لهذا، بل تعامل مع الرفض كمحفز. إحدى الجامعات التي رفضته ردت بتحليل مفصل لأسباب القرار، و نصحته أحد أساتذة جامعة “بيركلي” بالتركيز على النشر العلمي والمشاريع البحثية لجسر الفجوة التعليمية. استمع سليمان للنصيحة، و انغمس في العمل البحثي في مصر، ونشر حوالي 12 بحثا في دوريات علمية مرموقة مثل IEEE، ليعاود المحاولة من جديد.

 

التحول الكبير: مقابلة مع العالم الراحل أحمد زويل

في عام 2015، تحقق الحلم وقبل الدكتور أحمد سليمان في جامعة كالتك (كالتيك)، وهي جامعة مصنفة بين الأعلى عالميا في مجال العلوم وتخرج منها أكثر من 45 عالما حائزا على جائزة نوبل. هناك، التقى بالراحل الدكتور أحمد زويل، والذي فرح به كأول طالب مصري يقبل في كالتك من خلال جامعة زويل.

عاش سليمان مع الدكتور زويل لمدة عامين قبل وفاته، وكان لهذا اللقاء تأثير محوري. إذ نصحه زويل بأن يركز على “الهدف العلمي” و”الفيزياء” وراء التصميمات الهندسية، مما دفعه لتحويل مساره من هندسة الاتصالات إلى فيزياء الفضاء والكون. كرس الدكتور أحمد سليمان عامين لدراسة 21 مقررا في الفيزياء والهندسة لم يدرسها من قبل، ليتأهل للعمل على أحد أعقد الأسئلة العلمية.

 

البحث في القطب الجنوبي: استراق السمع إلى بداية الزمن

كذلك انضم الدكتور أحمد سليمان إلى فريق بحثي ضخم يضم جامعات مثل هارفارد و ستانفورد وكالتك ومختبر الدفع الصاروخي (JPL) التابع لناسا. مهمتهم. تصميم وتطوير تلسكوب عالي الحساسية في القطب الجنوبي لرصد “موجات الجاذبية التضخمية”.

الدكتور أحمد سليمان
الدكتور أحمد سليمان

الهدف العلمي

كما تعتبر هذه الموجات أضعف الإشارات في الكون. ويعتقد أنها ولدت بعد جزء متناهى من الثانية من الانفجار العظيم قبل نحو 13.8 مليار سنة. رصدها سيسد الفجوة الأخيرة في نظرية الانفجار العظيم ونظرية التضخم الكوني. ويجيب عن أسئلة أساسية حول كيفية نشأة الكون وتشكل العناصر الأولى، وحتى طبيعة “الطاقة المظلمة” التي تشكل 70% من الكون.

 

موقع القطب الجنوبي

تم اختيار هذه القارة لعدة أسباب. برودتها الشديدة و جفافها، وارتفاعها الكبير (نحو 10 آلاف قدم) الذي يقلل من تشويش الغلاف الجوي. كما أنها منطقة خالية من الإشارات اللاسلكية البشرية مما يسمح برصد إشارات الكون الضعيفة بدقة فائقة.

 

التحدي و الإنجاز: حياة في أقصى الأرض

كما كلفت المهمة الدكتور أحمد سليمان أشهرا من الحياة في ظروف قاسية. عاش في القطب الجنوبي لمدة 3 إلى 6 أشهر على فترات متقطعة. يعمل نهارا و ليلا في درجات حرارة وصلت إلى 80 درجة تحت الصفر. مع العلم أن أقرب مستشفى يقع في نيوزيلندا. خضع هو وزملاؤه لتدريبات شاقة أشبه بتدريبات رواد الفضاء قبل نقلهم بالطائرات العسكرية.

 

كما توجت هذه الجهود بحصوله على “ميدالية الولايات المتحدة”. من مركز البحوث الأمريكي بالتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية. تقديرا لأبحاثه المنشورة والاكتشافات من القطب الجنوبي. كما نشر فريقه نتائج أبحاثهم في مجلة “فيزيكس ريفيو ليترز”. وهي المجلة الأولى عالميا في مجال الفيزياء.

الدكتور أحمد سليمان
الدكتور أحمد سليمان

رسالة إلى مصر وشبابها

رغم إنجازاته العالمية، لم ينسى الدكتور أحمد سليمان جذوره. في حواراته، يعبر عن فخره بأن يكون العربي والمصري الوحيد في هذا الفريق البحثي الكبير. ويوجه رسالة إلى شباب العلماء في مصر. “لا تستسلموا وحققوا أحلامكم مهما كانت التحديات”. مؤكدا أن مصر غنية بالإمكانيات وشبابها قادر على صنع المستقبل.

 

علاوة على ذلك يرى في تأسيس وكالة الفضاء المصرية خطوة ملهمة ومهمة نحو مستقبل واعد. معربا عن اقتناعه بأن مصر تملك البنية التحتية والكفاءات للمساهمة الفاعلة في الاكتشافات العلمية العالمية.

 

من شوارع بهتيم إلى صقيع القطب الجنوبي حيث يسبح الكون بأسراره. تكتمل قصة الدكتور أحمد سليمان كنموذج للإرادة المصرية التي ترفض الاستسلام. إنها رحلة تثبت أن الحلم البسيط. حين يمتزج بالعزيمة و يسقى بالاجتهاد. يمكنه أن يصل إلى أقاصي العلم. حاملا اسم مصر عاليا في أعرق المختبرات العالمية. باحثا عن إجابة لواحد من أقدم أسئلة البشر. كيف بدأ كل هذا؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.