مدينةٌ تنبض في داخلك ..العالم الخفي الذي يسكن الإنسان
بقلم/ إيمان سامي عباس
مدينةٌ تنبض في داخلك .. لا أحد يراك الآن… لكن ملايين العيون في داخلك تراقبك بلا توقف. تفتح عينيك كل صباح وتظن أن الحياة تبدأ لحظة استيقاظك، بينما الحقيقة أنها بدأت منذ زمن بعيد… في ذلك العالم الصغير الذي يعيش فيك دون أن يطلب إذنًا.
داخل جسدك تعمل مدينة كاملة؛ مدينة بلا لافتات ولا ضجيج، لكنها أكثر قوةً ونظامًا وانضباطًا من أي مدينة عرفها البشر.
مدينة خُلقت لتبقيك حيًا… تعمل بصمت، بلا توقف، ولا تنتظر منك كلمة شكر.

هل تعلم أن جسدك يضيء؟
نعم، يطلق ضوءًا خافتًا لا تدركه العين؛ كأنه همسة تقول: أنا هنا… وأنا حيّ.
وفي اللحظة ذاتها، يرسل عقلك شرارات كهربائية دقيقة تحرّك هذا الكون الصغير: نبضة واحدة تكفي لرفع إصبعك، أو تهدئة قلبك، أو إشعال نبضه حين يخطر في بالك شخص تحبه.
أما قلبك، فليس مجرد مضخة.
القلب يتذكر قبلك، يشعر قبلك، وينفعل قبلك.
هو أول ما تكوّن فيك، وأول من عرف أنك ستكون “أنت”… قبل أن تتشكل ملامح وجهك أو بصمة صوتك أو حتى أفكارك.
وفي الأعماق، تعمل خلاياك كعمّال صامتين يداوون جروحك… لا جرح الجلد فقط، بل جرح التجربة أيضًا.
خلايا تحفظ الألم، وتدوّن ما مررت به، ثم تعلّمك كيف تنهض بعد كل سقوط.

معجزات تحدث الآن
داخل جسدك تعزف أوركسترا معجزة:
دم يتجدد، خلايا تغادر وأخرى تولد، جهاز مناعة يراقب كل ضيف عابر وكأنه بوابة صامدة تحرس حياتك.
وكل ما يبدو بسيطًا… ليس بسيطًا أبدًا.
فكل شهيق يملأ صدرك هو سلسلة معقدة من الانقباض والانبساط، وتبادل الغازات، وحفظ التوازن.
وتأمّل عضلات البلع التي تعمل في أجزاء من الثانية لتسلك اللقمة طريقها الصحيح—لو اختل هذا التناغم لحظة واحدة لاختنق الإنسان.
وحتى البَصق — تلك الحركة العادية — خلفها عضلات دقيقة في الفم واللسان والوجه تعمل لحمايتك.
أما العطس فهو انفجار مدروس بين عضلات الصدر والحجاب الحاجز والحنجرة، يصرخ في لحظة واحدة: احمِ نفسك!
والسعال بدوره آلية إنقاذ، جهد جماعي لطرد ما قد يهدد حياتك ولو تعطل قليلًا، لاختنق الجسد.
وفي قلب هذا الكون الداخلي، يعمل الكبد كمعمل صامت يؤدي أكثر من 500 وظيفة دون أن يطلب شيئًا.
والقلب يواصل الضخ بلا راحة منذ لحظة تكوّنك.
أما المخ فيحوّل الضوء إلى صورة، والصوت إلى معنى، واللمس إلى إحساس… أعمال تبدو اعتيادية لكنها قمة الإبداع الإلهي.
نحن نتحرك، نبتلع، نعطس، نسعل، نتنفس… وكأنها تفاصيل بديهية، لكنها في الحقيقة نِعم دقيقة، معجزات صغيرة، ولو تعطلت واحدة منها لارتجّت الحياة كلها.
ولأن لكل إنسان بصمة قلب لا تشبه أحدًا… فلكل نبض لحنه الخاص حين تحزن أو تفرح أو تشتاق، وكأن الحياة تُكتب بداخلك من جديد كل يوم.
وجسدك يسمع أفكارك.
كلمة طيبة تغيّر هرموناتك خلال دقائق…
وكلمة قاسية تطفئ طاقتك دون أن تدري.
بين نبضة وأخرى… معجزة تُعاد
العالم الذي في داخلك ليس مجرد أعضاء تعمل؛ إنه عالم يشعر، يتغيّر، يتذكّر، ويتفاعل مع كل شيء تحبه أو تخشاه أو تحلم به.
وكل هذا يحدث الآن… بين نفس ونفس، بين دقّة وأخرى، بين فكرة صغيرة تمر في بالك—قد تغيّر حياتك دون أن تشعر.
العالم الخارجي مزدحم وصاخب، لكن العالم في داخلك أعمق، وأصدق، وأعظم مما تتخيل.
يكفي أن تتوقف لحظة… فقط لحظة… لتدرك أنك مدينة كاملة تنبض بالحياة في صمت.
الحمد لله دائمًا وأبدًا.

كاتبه المقال/ إيمان سامي عباس