كرة ضدّ الحرب … حين تتحوّل الرياضة إلى دبلوماسية شعبية ورسالة للأجيال القادمة
كرة ضدّ الحرب … حين تتحوّل الرياضة إلى دبلوماسية شعبية ورسالة للأجيال القادمة
✍️ بقلم: طه المكاوي
في الثامن والعشرين من ديسمبر 2025، تحوّلت مدينة جنوة الإيطالية رمزيًا إلى عاصمة دولية للسلام، مع انطلاق النسخة الثانية من فعالية «كرة ضدّ الحرب»، المبادرة التي جمعت الرياضة بالمؤسسات والدبلوماسية في رسالة عالمية تؤكد أن الحوار والتعايش لم يعودا ترفًا، بل ضرورة إنسانية ملحّة.

الفعالية، التي حظيت بدعم رسمي واسع من إقليم ليغوريا وبلدية جنوة برئاسة ماركو بوتشي، إلى جانب بلدية بيتزو كالابرو، جسّدت نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للسلطات المحلية أن تلعب دورًا فاعلًا في ترسيخ ثقافة السلام خارج الأطر التقليدية للسياسة.

وتحمل مشاركة بلدية بيتزو كالابرو دلالة خاصة، كونها مدينة سلام مندمجة ضمن المنظمة العالمية للدول – البرلمان الدولي للأمن والسلام (WOS-IPSP)، مع حقها في رفع علم المنظمة، ما يعكس التزامًا مؤسسيًا طويل الأمد بقيم الحوار والتعاون الدولي.
دعم دولي ورسالة عابرة للحدود
الطابع العالمي للمبادرة تعزّز بحصولها على أكثر من 60 رعاية رسمية من أقاليم وبلديات إيطالية وأجنبية ومؤسسات متعددة، وصولًا إلى آخر رعاية من بلدية كون-يامبيتا بالكاميرون، في إشارة رمزية إلى أن رسالة السلام الأوروبية وجدت صداها في القارة الإفريقية.
وشهدت الفعالية مشاركة أكثر من 20 مدينة، من بينها فيتشنزا وأليساندريا وإمبيريا، مع تولّي مدينة سيرا ريّكو دور القيادة، في تأكيد على الجذور الوطنية للمبادرة وقدرتها على توحيد الجغرافيا الإيطالية حول هدف إنساني مشترك.
كرة القدم كلغة عالمية
على أرض الملعب، لعبت فرق تضم مسيحيين ومسلمين وأتباع ديانات أخرى، إلى جانب شباب وبالغين، في مشهد جسّد عمليًا فكرة التعايش. كما شارك فريق من شرطة جنوة المحلية، في رسالة واضحة بأن المؤسسات قريبة من نبض المجتمع وقيمه.
وكان من أكثر المشاهد رمزية رفع لافتة تحمل كلمة «السلام» بعدة لغات، شارك في حملها أطفال وبالغون، بالتزامن مع ضربة بداية نفّذها نجما الكرة السابقان ماريو بورتولاتسي (جنوة) وماركو لانا (سامبدوريا)، في لحظة اختزلت معنى الوحدة من خلال الرياضة.
من الملعب إلى المسرح
في الجزء الثقافي، افتتح الفنان جورجيو بريميتشيريو الفعالية بأداء النشيد الوطني الإيطالي، تلاه التينور الشاب دافيدي باستورينو، وسط حضور شخصيات سياسية وعسكرية ورياضية ومجتمعية، اجتمعت على تكريم قيم الشجاعة ونكران الذات وخدمة الإنسان.
البعد المؤسسي والفكري
أُقيمت الفعالية تحت الرعاية السامية لـ WOS-IPSP، وبمساهمة محورية من الرابطة الأوروبية للمسلمين (EML)، التي فعّلت شبكة دولية من سفراء السلام في عشرات الدول، بعثوا برسائل دعم عززت الطابع العالمي للمبادرة.
وفي كلمته الختامية، شدّد الدكتور ألفريدو ماييوليزي، الأمين العام للمنظمة ورئيس الرابطة، على أن الوقاية من النزاعات الاجتماعية باتت أولوية عالمية، مستحضرًا رمزية جنوة التاريخية كنقطة انطلاق لاكتشاف العالم، ومعربًا عن أمله في أن تصبح اليوم نقطة انطلاق جديدة لاكتشاف السلام.
إعلان جنوة… رسالة للمستقبل
جاءت قراءة إعلان جنوة مسك الختام، مؤكدة أن السلام مسؤولية إنسانية مشتركة، وأن التعايش هو الأساس الحقيقي لمجتمعات الغد، ليبقى الإعلان وثيقة أخلاقية موجّهة إلى الأجيال القادمة.
لقد أثبتت «كرة ضدّ الحرب» أن الرياضة قادرة على أداء دور دبلوماسي ناعم، وأن حدثًا واحدًا، حين تلتقي فيه الإرادة المؤسسية مع المجتمع، يمكن أن يتحوّل إلى رسالة عالمية تتجاوز حدود المكان والزمان.
