اعتراف الاحتلال بـ«أرض الصومال».. خطوة تفكيك استراتيجي تهدد باب المندب وقناة السويس

اعتراف الاحتلال بـ«أرض الصومال».. خطوة تفكيك استراتيجي تهدد باب المندب وقناة السويس

✍️ بقلم: طه المكاوي

لم يأتِ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي كخطوة معزولة أو زلة دبلوماسية عابرة، بل يعكس تحولًا محسوبًا في أدوات الصراع الجيوسياسي داخل واحدة من أخطر مناطق العالم حساسية. فالقرن الإفريقي، بوصفه بوابة البحر الأحمر وممرًا إلزاميًا للتجارة العالمية، بات مسرحًا مفتوحًا لمشروعات النفوذ، حيث تُستبدل الحروب التقليدية بسياسات التفكيك والاعتراف الانتقائي، في محاولة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية بما يخدم مصالح قوى بعينها.

أكدت الدكتورة نرمين توفيق، مديرة مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم انفصالي داخل الدولة الصومالية يمثل انتهاكًا مباشرًا لقواعد النظام الدولي، واعتداءً سياسيًا على مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها، محذرة من أن هذه الخطوة تشكل سابقة خطيرة تهدد استقرار القارة الإفريقية بأكملها.

وأوضحت أن هذا التحرك لا ينفصل عن العقيدة الإسرائيلية القائمة على إدارة الأزمات عبر خلق كيانات هشّة تُستخدم كأدوات ضغط ونقاط ارتكاز عسكرية وأمنية في المناطق الحيوية.

باب المندب: الهدف الحقيقي

وشددت الباحثة في الشؤون الإفريقية على أن جوهر التحرك الإسرائيلي يتمثل في الاقتراب المباشر من مضيق باب المندب، بما يسمح بالتحكم في مسارات الملاحة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، ومن ثم التأثير على حركة التجارة الدولية، وامتلاك أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة القوى الإقليمية والدولية.

وأضافت أن عسكرة هذا الممر البحري لا تمثل تهديدًا للصومال وحدها، بل تمس الأمن الجماعي للدول المطلة على البحر الأحمر، وتفتح المجال أمام سباق نفوذ قد يعيد المنطقة إلى مربع الصراعات المفتوحة.

تحالف المصالح مع إثيوبيا

وربطت توفيق بين الاعتراف الإسرائيلي والتحركات الإثيوبية الأخيرة، مؤكدة أن تل أبيب وأديس أبابا تلتقيان عند نقطة المصالح الجيوسياسية، خاصة فيما يتعلق بمحاولات إثيوبيا فرض واقع جديد يمنحها منفذًا بحريًا عبر ميناء بربرة، خارج الأطر القانونية والشرعية الدولية.

واعتبرت أن هذا التنسيق يمثل محاولة لإعادة توزيع النفوذ في القرن الإفريقي، عبر تجاوز الدول المركزية والتعامل مع كيانات انفصالية كبدائل سياسية وأمنية.

مصر في قلب الاستهداف

وحذّرت مديرة مركز فاروس من أن هذه التطورات تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، إذ إن أي اضطراب في باب المندب ينعكس تلقائيًا على أمن الملاحة في قناة السويس، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي والدخل القومي المصري.

وأكدت أن ما يجري لا يمكن فصله عن محاولات الضغط غير المباشر على مصر عبر إرباك محيطها الاستراتيجي، وإشغالها بتحديات أمنية متداخلة في الجنوب والشرق.

موقف مصري صلب وتحذير استراتيجي

وأشادت توفيق بالموقف المصري الرافض لأي اعتراف بالكيانات الانفصالية، مؤكدة أن القاهرة تتحرك انطلاقًا من رؤية استراتيجية تحمي مفهوم الدولة الوطنية، وتتصدى لمشروعات التفكيك التي تهدد استقرار الإقليم.

وحذّرت من أن تطبيع الاعتراف بالانفصال قد يحول القرن الإفريقي إلى نموذج مكرر لصراعات ممتدة، تتآكل فيها الدول لصالح كيانات مسلحة أو مدعومة خارجيًا.

 

في المحصلة، لا يعكس الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» دعمًا لحق تقرير المصير بقدر ما يجسد استخدامًا سياسيًا انتقائيًا لمفاهيم القانون الدولي، في إطار صراع النفوذ على البحر الأحمر. فالمعركة الحقيقية ليست حول إقليم انفصالي، بل حول من يملك مفاتيح الملاحة العالمية، ومن يفرض قواعد اللعبة في واحدة من أكثر المناطق تأثيرًا على الاقتصاد الدولي. ومن هنا، تبدو المواجهة مع هذا المسار ضرورة استراتيجية، لا دفاعًا عن الصومال وحدها، بل عن استقرار النظام الإقليمي وأمن الممرات البحرية، وفي القلب منها قناة السويس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.