وقت المرض .. تتباطأ الأيام وتتسارع الحكمة ويسمع الإنسان صوته لأول مرة
وقت المرض تنكسر الضوضاء، فيسمع الإنسان صوته لأول مرة لتتباطأ الأيام، وتتسارع الحكمة، حين يطرق المرض باب الإنسان، لا يدخل كضيف عابر، بل كحالة تُعيد ترتيب الزمن والمعنى معًا.
الكاتبة/ زينب محمد شرف

ولأن الروتين الذي كان يملأ الساعات يتراجع أمام لحظة واحدة تُقاس بالألم أو الرجاء، في هذا البطء القسري يتسع الوعي؛ فكل دقيقة تُعاش بتركيز، وكل إحساس يُقرأ بعمق، وان المرض لا يسرق الوقت بقدر ما يغيّر إيقاعه، فيجعلنا نرى ما كنا نتجاوزه مسرعين.
وفي هذا البط تبدأ الحكمة في التسارع، لتتعرّى الأولويات الحقيقية، وتسقط الزوائد، يدرك المرء أن كثيرًا مما كان يُقلقه لا يستحق القلق، وأن الصحة ليست تفضيلًا بل أصل الحياة، ويتعلّم المريض الصبر لا بوصفه فضيلة مثالية، بل ضرورة يومية، ويتدرّب على القبول دون استسلام، وعلى الأمل دون إنكار للواقع، هنا تنضج الأسئلة ما الذي يستحق؟ من الذي يبقى؟ وكيف نعيش حين تتقلّص القدرة وتكبر الرؤية؟
ما يكشفه المرض في العلاقات لا تكشفه سنوات الصحة
المرض يعرّي الزيف؛ فلا يبقى حولك إلا الحقيقيون، ففي لحظات الضعف تسقط الأقنعة دون ضجيج، ويتراجع من كان حضوره مشروطًا بالقوة والقدرة، بينما يقترب من لا يحتاج سببًا ليبقى، وعند المرض لا تُقاس المحبة بكثرة الكلام، بل بثبات السؤال، وصدق الدعاء، وبالوجود الصادق، حينها تفهم أن العلاقات ليست عددًا، بل عمقًا، وأن من يصمد قربه في وقت الألم هو الثروة التي لا تعوّض، لأن الحقيقة لا تخشى الضعف، والزيف لا يحتمله، وتتراجع الأقنعة خطوة إلى الخلف، لذلك المرض يعرّي الزيف؛ فلا يبقى حولك إلا الحقيقيون.

من تألّم حقًّا لا يُنظّر على الموجوعين، بل يقترب منهم بصمتٍ رحيم
ومن يتألم اليوم يصبح أقدر غدًا على الفهم والاعتراف، الفهم هو الشعور بألم الآخرين دون ادّعاء، الاعتراف بأن الله هو فقط القادر، حتى يتحرر الانسان من وهم السيطرة.
وكما يعلّم المرض الإنسان الإنصات، إنصاتًا للجسد الذي طالما أُهمل، وللنفس التي طالما أُسكتت، وللحياة التي طالما أُخذت كأمرٍ مُسلَّم به، يتعلّم أن الراحة ليست كسلًا، وأن الاعتناء بالنفس ليس أنانية، وأن الاعتراف بالضعف خطوة نحو التعافي.
الشفاء يعيد صفاء الرؤية التي يتركها الألم خلفه
وحين تبدأ العافية في الاقتراب، لا يعود الإنسان كما كان، يعود أبطأ قليلًا، لكن أعمق كثيرًا، أقل ضجيجًا، وأكثر امتنانًا، يعود وهو يعرف أن الزمن الحقيقي ليس ما نملؤه بالإنجازات فقط، بل ما نعيشه بصدق، لتتباطأ الأيام، وتتسارع الحكمة؛ لأن ما يُنقذ الإنسان في النهاية ليس سرعة الخطى، بل وضوح البصيرة.

القوة ليست أن تمسك بكل الخيوط، بل أن تثق بمن بيده الأمر كله
ومن هذا المنطلق أود أن أقول لا يخرج الإنسان من الألم كما دخله؛ يخرج وقد تعلّم أن الرحمة نعمه، وأن القوة الحقيقية ليست في السيطرة بل في التسليم إلى الله، فمن يتألم اليوم إن أحسن الإصغاء لوجعه يعود غدًا أقدر على احتواء غيره، وأصدق مع ضعفه، وأكثر يقينًا بأن ما يطمئن القلب حقًا ليس امتلاك الأمور، وختاماً الرجوع إلى الله ليس هروبًا من الحياة، بل عودة إلى أصل الطمأنينة.