مش وصايا قديمة … دي أصول كانت بتحمي المجتمع

مش وصايا قديمة … دي أصول كانت بتحمي المجتمع

مش كل اللي اتقال زمان كان تشدد، ولا كل القواعد كانت تعقيد. في بيوت كتير كانت التربية معناها إنك تطلع إنسان يعرف يعيش وسط الناس من غير ما يوجعهم ولا يقلّ منهم. أصول بسيطة، لكنها كانت بتحمي المجتمع وتحفظ كرامة الكل.

كتبت / داليا حسام

في زمن مش بعيد، كانت البيوت بتطلع بشر قبل ما تطلع أعمار. كانت التربية شغلانة يومية، مش رفاهية، وكان الأدب قانون غير مكتوب، يمشي على الصغير قبل الكبير. جُمل بسيطة كانت بتتقال، لكنها كانت بتشكّل الوعي، وتهذّب السلوك، وتحط الإنسان في مكانه الصح من غير إهانة ولا قسوة.
الكلام ده ما كانش شعارات، ولا حكم محفوظة، ده كان أسلوب حياة، بيبدأ من البيت، ويكمّل في الشارع، ويبان في طريقة المشي، والكلام، والجلوس، وحتى الصمت.

مش وصايا قديمة

كان طبيعي نقول حضرتك، لأن الاحترام سابق الألفة. طبيعي نرد بـ نعم لأن السمع مقدم على الكلام. واطي صوتك، مش لأن الصوت العالي عيب، لكن لأن الهدوء قوة، ولأن الهيبة عمرها ما كانت في الزعيق. ما تحطش رجل على رجل قدام حد كبير، مش تقليل منك، لكن تقدير لفرق سن وتجربة.
كان غير المقبول تفضل قاعد وحد أكبر منك واقف، أو تعدّي قدامه وانت ماشي، أو تشد حاجة من إيده. دي ما كانتش قواعد جامدة، دي كانت أصول بتتزرع، وتطلع تلقائي في التصرف. البيوت ليها حرمة، تخبط قبل ما تدخل، وتشوف أقل ما يمكن، وتطلع من غير ما تحكي. اللي يحصل جوه البيوت يفضل فيها.
الزيارة ليها ميعاد، والمكالمة ليها وقت. مش من الذوق تدخل فجأة ولا تتصل متأخر. الجلوس له مكان، والجلوس الكاشف للبيوت قلة ذوق مش بس تصرف غلط. حتى الحركة على السلم كان ليها حساب، احترام، ومسافة أمان قبل ما تكون تعليمات.

اللبس ما كانش حرية بلا وعي.

لكل مكان لبسه، ولكل وضع شكله. لبس البيت غير لبس النوم، ولبس النادي مش للخروج. مش علشان المجتمع قاسي، لكن علشان الإنسان يحترم نفسه الأول. كلمة “عيب” كانت بتوقف أي تجاوز، وكلمة “حرام” كانت خط أحمر، معناها ربنا شايف قبل الناس.
قول شكرا، قول آسف، واللي يعتذر الأول هو الأقوى، مش الأضعف. ما تقارنش نفسك بحد، ولا تحط نفسك فوق حد، ولا تحت حد. القيم الحقيقية مش في المقارنة، في الرضا والاتزان. الخير كان بيتعمل من غير كاميرا، تدفع الحساب، تشيل من الكبير، تقوم علشان غيرك يقعد، وتوطّي صوتك علشان الناس نايمة.
حتى الشارع كان له حق. ما ترميش حاجة، نضّف المكان اللي لخبطته، وخلي بالك إن المكان اللي انت فيه مش ملكك لوحدك. التفاصيل الصغيرة دي هي اللي صنعت ناس تعرف تعيش وسط غيرها من غير ما تأذي، ومن غير ما تفرض نفسها بالقوة.

اللي اتغير مش الزمن، اللي اتغير هو التزامنا بالأصول. والذوق العام ما اختفاش فجأة، هو اتسحب حتة حتة من البيوت. لو عايزين الخير والبركة يرجعوا، البداية مش من القوانين ولا العقاب، البداية من التربية.
كمل جميلك…
لما تخلف،
وربّي إنسان يعرف حدود نفسه قبل ما يطالب بحقوقه،
إنسان نضيف في أخلاقه، وفي حضوره، وفي أثره.
ساعتها المجتمع يرجع يقف على رجليه، بهدوء… ومن غير ضجيج

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.