ذكرى عابرة … بقلم / سمر سعيد

ذكرى عابرة

سمر سعيد

تفاجئنا الأقدار دائماً تجعلنا نواجه جراحنا، تنبش الماضي بأظافرها الحادة لتدمي قلوبنا، توشمنا بعلامات لا تختفي تبقى في ذاكرتنا، هنا حب عاش وهناك حب هجرنا، تارة تمنحنا السعادة وتارة تسرق فرحنا.
صعدت إلى القطار لتفاجئ به أمامها، عندما رأي إياها، نطق اسمها كالأيام الخوالي، سمعت اسمها المفضل من بين شفتيه، أختفى الزمان وكل سنوات البعد والحرمان وكأن الماضي ولى بجميع خيباته وجراحه لم يتبدل عليه شيء سوى زاد على شعره بعض خطوط الشيب البسيطة.
نظرت لتذكرة القطار وجدت رقم المقعد الخاص بها بجواره؛ وقفت في حيرة من أمرها ماذا تفعل؟
هل تترجل من القطار وتترك تكريمها؟ أم تكمل طريقها ولا تعره اهتماماً، لعنت تفكيرها وإصرارها على استقلال القطار فهو من جمعه بها واليوم عاد من جديد ليجمعهما.
حاولت تغيير مقعدها لكن بلا فائدة فجميع المقاعد مشغولة، توجهت نحو المقعد ليتنحى عن مقعده المجاور للنافذة حتى تجلس هي عليه فهو يعلم مدى عشقها لهذا المقعد فهي كالأطفال تهوى النظر من نافذة القطار.
جلست جواره بقلب متخبط، دقاته تعلو صوت صافرة القطار، رائحة عطره تملأ المقعد، شعرت بروحها تصل للحلقوم، حنين يمزق وتينها، دفء المقعد مع قربه و رائحة عطره جعل غيوم قلبها تمطر ذكرياتهما سوياً، تمنت حبس أنفاسها لتخرجه من ذاكرتها كما أخرجها من قلبه.
همس بجوار أذنها:
كيف حالك؟ اشتقت إليك كثيراً.
لم تتغير ملامحك، وكأننا لم نفترق.
نظرت له نظرة حارقة جعلته يتلعثم، ليبتلع كلماته مرة أخرى.
من أنت؟ أنا لا أعرفك.
نظر لعيناها ليجدهما تبدلا فلم تعد طفلته الصغيرة التي كانت تعشق كلماته، لم تعد عيناها تنبض بحبه كما كانت في السابق أصبحت تملك نظرة متحجرة، أصبحت نَمره الافتراس هو نهجها.
أنا حب عمرك، نبض قلبك. ألم تكن هذه كلامتك؟
ضحكت بتهكم لتجيبه:
كانت كلماتي عندما كنت اسكن قلبك، عندما كنت أحيا بحبك لكنك دمرت كل معتقداتي، جعلتني أفقد الثقة في ذاتي، شوهت روحي فلم أعد كسابق عهدي، أنت من حولتني.
أشاحت بوجهها بعيداً عن نظراته لكي تتجنب الحديث معه. شعر بغصة تجتاح قلبه لما آلت إليه بسببه؛ حاول الاعتذار منها إلا أنها أسبلت جفونها حتى تهدأ قليلاً من عاصفة مشاعرها التي تعصف بكل دواخلها، فالجرح القديم قد عاد، ها هو أول خيبات قلبها يجلس جوارها، يشاركها الهواء والمقعد كما شاركها سابقاً.
تذكرت يوم قابلته أول مرة، كانت تهرول حتى تلحق بالقطار، عجلاته بدأت في الزحف معلنه مغادرته صرخت بأعلى صوتها حتى يتوقف القطار لكن بلا فائدة.
مد يده لمساعدتها، أسرعت نحو اليد الممدودة لتتشبث بها، التقطها بقوة لتصعد على متن للقطار.
لم تصدق أنها استطاعت اللحاق به، شكرته على مساعدته، ثم جلست بجوار النافذة، رأى مدى طفولتها وهي تلوح للأطفال وترسل لهم القبلات، تسجل أحلامها على نافذة القطار لتسافر معها أينما ذهبت، لتحقق أحلامها المنتظرة، كانت عيونها تشع أملاً وحياة، طفلة بريئة لا تعلم شيء عن خبث الحياة، تحيا بفطرتها، تظن الجميع ملائكة، وأن الأرض هي قطعة من الجنة، طرد منها إبليس فأصبحت مدينة فضلى.
هنا بدأ التعارف بينهما، ساعدها في أنهاء كل الأوراق الخاصة بالتحاقها بالجامعة، كان المرشد الخاص بها بالكلية، كانت جداول محاضرتهما تتفق في نفس الأيام، أصبحت تحت رعايته، تجلس بجانبه بالقطار، ينتظرها حتى تنهي محاضراتها ليعودا معاً، كانت تشعر بالأمان وهي بجواره وكأنه ملاك وهبها الله إياه لمساعدتها في هذا العالم الجديد، اتخذته قدوة لها، أب روحي، تسمع كلماته، تنفذ تعليماته، كان الهواء بالنسبة لها.
سقطت دمعة من عينها عندما تذكرت لقاءهما، وتذكرت كم كانت حمقاء في حبها له؛ كان يراقبها في صمت، يلعن ضعفه، قلة حيلته، يتمنى لو يستطع مسح هذه الدمعة الغادرة التي خانتها لتسقط على وجنتها الوردية، فهي لازالت بنظره ملاك بهيئة أنسية.
صوت محصل التذاكر أخرجه من تفكيره ليقدم التذكرة الخاصة به، همس بهدوء بجانب أذنها لإيقاظها.
صوته كان يذكرها بكل ما مضى، ينهش دواخلها كسرب من الذئاب اجتمع على فريسة حية، فتحت عيناها وهي تتحاشى النظر إليه، قدمت التذكرة للمحصل لحظات وغادرهما، قبل أن تعود لسباتها مرة أخرى طلب منها أن تستمع له لأخر مرة.
بحق كل الأيام التي كانت بيني وبينك، اغفري لي خطيئتي فأنا أموت لرؤيتك هكذا.
قبل أن يكمل حديثه، أخرجت كتاب كان يقبع بحقيبتها، فتحته وبدأت في مطالعته، هربت من مواجهة مشاعره، فهي لا تستطيع أنكار وجود مشاعر تجاهه وإن كانت مشاعر بغض وكره لكنها في النهاية تسمى مشاعر، وجهها كان متخبط بالدماء، وجنتاها تشتعلان ناراً، كانت تدور بين السطور بعينها فقط، لكن عقلها يدور في مكان أخر يبعد عنها بضع سنوات.
تذكرت يوم غاب عن الميعاد المحدد لإقلاع القطار، انتظرته كما اعتادت، ذهبت للكلية بدونه لأول مرة، كانت تتخبط بالطريق وكأنها طفلة صغيرة بدأت تخطو أولى خطواتها بدون مساندة والديها، شعرت بعدم رغبتها في الولوج بدونه لهذا الصرح الكبير، شعرت أنها تهابه لأول مرة، غيابه أضرم النيران بقلبها، حالتها لا يرثى لها، دلفت للداخل بقدم متخبطة، كرجل هرم يتحسس خطواته خشية التعثر، كانت تتحاشى نظرات الجميع نحوها، حتى لا يبصروا ضعفها فهو مصدر قوتها وطوق نجاتها، صوته أعاد لها أمنها هرولت نحوه مسرعة حتى تتدثر بوجوده، ونظراته الحانية.
عاتبته عن تخلفه عن ميعادهم المعتاد، فقد كانت بدونه كمن فقدت للتو والدها؛ طلب منها الغفران لأنه سافر بالأمس مع والده لمنزل عمه المجاور للكلية، لذلك تغيب عن موعدها ولم يستطع أخبارها.
شكرت الله كثيراً أنه سالم ولم يصب بمكروه، ملامحها يومها نطقت بكل ما يخفيه قلبها، فهي تعشقه واليوم تأكدت من إحساسها، نظراتها قالت الكثير وصرحت ببواطن قلبها.
بعدما أنتهى يومها الدراسي عاد معها بالقطار لمدينتهما حتى يطمئن علي سلامة وصولها، ثم عاد مرة أخرى بالقطار المقابل لأن والده ينتظره، كانت السعادة عنوان رحلتها فهي تشعر بالأمان بجواره أغمضت عيناها كَقطة صغيرة تتشبث بصاحبها، ابتسم وهو يرى مدى براءتها كالأطفال، لم تشعر بالمسافة ولا بالزمن فقط كانت تشعر بالأمان.
وصلت بيتها وهي في نشوة لا توصف، فهي حقاً تحبه، اليوم أثبت لها حبه عندما عاد معها للاطمئنان على سلامتها بعدما أشترى لها كل الحلويات التي تحبها كاعتذار عن تركها صباحاً.
ضمت إلى صدرها الحلويات بسعادة بالغة فهي تحمل رائحته، ومشاعره، نعست يومها بكل أريحية وهي تحتضن أحلامها، نسجت بخيالها بيت صغير يجمعهما.
مر بجانبه فتى البوفيه أشترى منه زجاجتان من المياه الغازية فهو يعلم عشقها لهذا النوع من المرطبات، قدم لها المشروب دون أن ينبث ببنت شفه، نظرت له بعدم فهم، أبتسم لها بود ليخبرها أن الطريق طويل والجو حار، تناولت الزجاجة من يده وعادت لشرودها لتعصف الأسئلة بعقلها، هل صدقاً يحبها؟ هل لازال يهتم بأمرها؟ هل هذا اللقاء صدفه من أفعال القدر؟ هل سينساها فور وصولهما؟ لمَ تركها؟ هل يجوز أن يعودا لعهدهما السابق؟
اطلق القطار صافرته معلناً قرب محطتها، يحمل معه غبار أسوء يوم مر على قلبها، تذكرت أخر يوم جمعهما سوياً، كانت في انتظاره كالعادة ليشقا طريقهما معاً، فاليوم سوف تحصل على شهادة تخرجها، لكن ملامحه كانت عابثة، حاولت التخفيف عنه وممازحته ألا أنه لم يستجب لأي فعل من أفعالها، سألته عن سبب حزنه، عندها أخبرها أن حلمهما مستحيل وأن والدته ترغب في زواجه من أبنة خالته، وهو لا يستطيع أن يرفض لها أمراً فهي مريضة ويخشى عليها الانتكاس، لمعت عيناها بالدمع وهي تسأله وما هو مصيرها؟ فهي أحبته بصدق تمنت أن تحيا معه، لماذا لم يدافع عن حبهما؟ أم أنها كانت تسلية ليمضي معها أيامه وبعدها يتزوج من الفتاة التي تختارها والدته؟.
نكس رأسه في خضوع ليخبرها أنه بعد وفاة والده لا يستطيع ترك والدته وحيده، وهي ترفض ارتباطه بأي فتاه من خارج نطاق العائلة، ثم غادرها وتركها بين حيرتها وحزنها، توسلت له بعيون يملأها الدمع أن يقنع والدته بأن تمنح الحياة لحبهما، لكنها كانت سليطة الرأي دمرت ببساطة حلمهما.
يومها أظلم قلبها، أمطرت سماءها ألمً و قهر، تلاشت رغبتها في الحياة، أعلنت وأد هذا الخفق فهو من جلب لها كل هذا الحزن، كانت كالذبيحة، تتخبط بكل من يقابلها، فقدت ثقتها بنفسها، انطفئ بداخلها شعاع النور الذي حيت به أيامها معه، مرت بمراحل صعبة قابلت من الرجال من أكد فكرتها لهجر الحب والحياة كلها، فالكل طامع بجسدها، قررت هجر الجميع ومصاحبة قلمها لتنفس به عما يدور بداخلها فهو لن يخذلها، أصبح الورق والقلم هما رفيقا دربها، رفضت كل من حاول التقرب منها.
حولت جراحها لنجاح، واليوم حان وقت حصاده.
أوشك القطار على دخول المحطة، بدأت معالمها في الظهور، نفضت كل الذكريات، لملمت شتات نفسها لتصل لحقيقة أخبرها بها قلبها قبل عقلها أن ما مضى عهد ولى وأنتهى ولن يعود فهو من الأساس لم يكن لها، وأن القادم لا بد أن تعيشه بعيداً عن كل هذه الألآم فهو من باع حبها سابقاً وتركها تلعق مرار الهجر وحدها.
لمح اسمها على غلاف الكتاب الذى كانت تحمله بين يديها، خطت عليه إهداء ثم قدمته له، هنئها على نجاحها وتمنى لها التوفيق فهي تستحقه عن جدارة.
شكرته على التهنئة وغادرت لإكمال طريقها دون أن تلتفت إليه، فهناك من ينتظرها، هبطت من القطار لتجده يبحث عنها بين الوجوه، عندما رأى وجهها أسرع نحوها يحتضن كفها الصغير بين يديه، كمن وجد ضالته بين زحام الحياة.
حمداً لله على سلامتك
نظرت له نظرات يملأها الحب الصادق، فهو من ساندها، آمن بها، هو من ضمد جراحها، هو من أحب قلبها بصدق ولم يخن عهدها، وهو الوحيد الجدير بهذا الحب الساكن بين جفنيها. تأبطت ذراعه بسعادة طفلة صغيرة خرجت لنزهتها المفضلة.
تابعها و هي تغادر المحطة مع هذا الرجل، لم تلتفت خلفها أدرك أنها نزعته من قلبها و أودعته غيابات الماضي كما فعل هو سابقاً.
فتح الكتاب الذي يزينه اسمها ليرى الإهداء، رسم عقله مخططات و توقعات لهذا الإهداء ليجد هذه الكلمات.
(إلى من أهداني الألم واخرج ماردي ليكتب هذا العمل، أشكرك فلولا ألمك ما كنت وجدت الحب الحقيقي فحبي لك كان ذكرى عابرة)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.