جبر الخواطر : عباده إنسانيه لاتحتاج إلي مال ولكن تفتح أبواب السماء
جبر الخواطر : عباده إنسانيه لاتحتاج إلي مال ولكن تفتح أبواب السماء
بقلم / إيمان سامي عباس
نعيش اليوم في عالم سريع الإيقاع، مليء بالصخب والتحديات اليومية. تتكرر فيه لحظات الألم والانكسار، ولكن بصمت. تمرّ بجوارك وجوه باهتة، تحمل على ملامحها أثقالًا لا تُرى، وهمومًا لا تُنطق. في زمن كهذا، أصبح كسر القلوب يتم بلا ضجيج، وبكلمة واحدة قد تكون عابرة، تُخدش كرامة إنسان أو تنهار نفسيته، دون أن يعبأ من أمامه بما قال أو كيف قالهتابع التقرير على أخبار مصر.
جبر الخواطر.. خلق عظيم لا يُقدّر بثمن
يظل جبر الخواطر واحدًا من أعظم الأخلاق وأرقى صور الإنسانية التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان. فكم من شخص نجا من حافة الانهيار بسبب كلمة طيبة؟ وكم من قلب ذاب حزنًا ثم استعاد نبضه بابتسامة من عابر طريق؟ إن جبر الخاطر لا يتطلب مالًا، ولا يحتاج إلى منصب، بل هو نية صافية وقلب يشعر ويقدّر.

هو أن تضع نفسك مكان الآخر، أن تشعر بألمه وتواسيه، أن تكون اليد التي تُمسك بيده حين يتعثر، والصوت الذي يهمس له: “لست وحدك”.
جبر الخواطر في التفاصيل اليومية
جبر الخواطر لا يرتبط بالمواقف الكبرى فقط، بل يتجلى في أدق تفاصيل الحياة. في نظرة حنونة، أو كلمة دعم، أو استماع صادق دون مقاطعة. أن تقول لمن يبدو عليه الحزن: “أنا هنا إن احتجت أحدًا”، أو أن تُربّت على كتف منهك قائلاً: “سنعبر هذا معًا، لا تقلق”، حتى وإن لم تكن تملك حلاً، يكفي أنك منحت طاقة أمل في لحظة ضعف.
قصة تُلهمنا: كرسى عم محمد
من أجمل القصص الواقعية التي تجسد معنى جبر الخاطر، قصة طالب في أحد شوارع بلبيس رأى عامل نظافة بسيطًا يقف طوال النهار دون راحة. فما كان منه إلا أن اشترى له كرسياً بلاستيكياً وكتب عليه: “كرسي عم محمد.. ممنوع الجلوس عليه”.

سلوك بسيط لكنه عبّر عن تقدير وإنسانية عظيمة. شعَر العامل أن هناك من يرى تعبه ويقدّره، فعادت إليه ابتسامته وشعر بآدميته.
تلك القصة انتشرت بين الطلاب، وأصبحت رمزًا حقيقيًا لمفهوم “جبر الخواطر”، الذي لا يحتاج إلى كثير من الجهد، لكنه يترك أثرًا لا يُمحى.
الكلمة الطيبة.. صدقة وأثر خالد
أحيانًا يكون جبر الخاطر في مجرد تعليق مشجع. كأن ترى شخصًا فقد الكثير من وزنه بسبب حمية قاسية أو علاج مرهق، فتقول له: “أنت تبدو رشيقًا ورائعًا، ما شاء الله، لقد حققت إنجازًا كبيرًا”، دون أن تُبدي ملاحظات تُضعف نفسيته أو تُقلل من عزيمته.
الكلمة الطيبة صدقة، وقد تكون هذه الصدقة سببًا في تحويل يوم شخص آخر إلى الأفضل. هي لا تُكلف شيئًا، لكنها قد تُصلح ما أفسدته مواقف الحياة.
جبر الخواطر في السنة النبوية
في الحديث النبوي الشريف، يقول رسول الله ﷺ:
“من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”
(رواه مسلم).

وهذا الحديث الشريف يُبرز مكانة جبر الخواطر وتفريج الكرب في الإسلام. فالدين لم يكن فقط عبادات شكلية، بل سلوك يومي ينعكس على طريقة تعاملنا مع الناس. جبر الخواطر عبادة عظيمة قد يغفل عنها كثيرون، لكنها من أحب الأعمال إلى الله.
لماذا نحتاج إلى هذه العبادة اليوم؟
لأننا أصبحنا نعيش في مجتمعات سريعة لا تملك وقتًا للسؤال أو الاهتمام. الكثير من الناس يعانون في صمت، ويحتاجون إلى لمسة إنسانية تذكرهم بأنهم ليسوا وحدهم. جبر الخواطر هو ما يعيد التوازن في زمن كثرت فيه اللامبالاة، وندر فيه التراحم.
هو لغة القلوب التي لا تُترجم إلا بفعل، لا بكلام فارغ. حين تواسي أمًا فقدت ابنها، أو تساند عجوزًا يشعر بالإهمال، أو تقف بجوار صديق في وقت ضيق، فأنت تمارس أعظم أشكال الإنسانية.
جبر الخواطر.. عبور نحو الخلود في القلوب
من يجبر الخواطر لا يُنسى. يبقى في ذاكرة من جبرهم، يُذكر بالخير دائما، وتُرفع له الدعوات .
كاتبة المقال
أستاذة / إيمان سامى عباس