الدراما وصناعه الوعي …معركه القيم الصامته
الدراما وصناعه الوعي… في لحظاتٍ فارقة من عمر المجتمعات، لا تصبح الدراما مجرد وسيلة ترفيه، بل تتحول إلى مرآةٍ للوعي الجمعي، وأداةٍ لتشكيل الوجدان العام، وصانعٍ خفيٍّ للقيم التي تتسلل إلى الأجيال دون استئذان. ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي طرحها الكاتب الكبير محمد جلال عبد القوي؛ رسالة لا تبدو شكوى شخصية بقدر ما تبدو صرخة غيورٍ على مهنةٍ شاركت يومًا في بناء الوعي المصري وصياغة ضميره الثقافي.
بقلم /إيمان سامي عباس

فالحديث هنا ليس عن عملٍ لم يُنتج، ولا عن مشروعٍ تأخر تنفيذه، بل عن سؤالٍ أعمق: أي دراما نريد؟ ولماذا نُنتجها أصلًا؟
لقد قدّم صاحب الرسالة نموذجين دراميين شديدي الدلالة؛ الأول يحكي قصة كفاح الأم الريفية التي صنعت من ابنها عالمًا وطبيبًا أصبح رمزًا للنهضة الطبية المصرية، الدكتور علي باشا إبراهيم، نموذج العلم والاجتهاد والصعود الاجتماعي عبر التعليم. أما الثاني فيستعيد بطولة الشهيد سيد زكريا خليل، الجندي الذي قاتل حتى اللحظة الأخيرة دفاعًا عن وطنه، حتى اضطر خصمه ذاته إلى أداء التحية العسكرية احترامًا لشجاعته.
بين هذين النموذجين، يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
أي الشخصيات أحق بأن تُقدَّم قدوةً للأجيال؟

هل تحتاج مصر اليوم إلى دراما تُعيد تقديم رموز العلم والتضحية والعمل الوطني؟ أم إلى مزيد من الشخصيات التي تدور في فلك العنف والبلطجة وتجارة المخدرات والانحراف السلوكي باعتبارها “واقعية اجتماعية”؟
المشكلة لم تعد في وجود أعمال ترفيهية، فالترفيه جزء أصيل من الفن، وإنما في اختلال الميزان. فحين تتحول الشاشات إلى مساحة شبه مكتملة لعرض نماذج الانهيار الأخلاقي، بينما تتراجع قصص البناء والنجاح والبطولة، يصبح السؤال مشروعًا:
هل تلبي الدراما احتياجات الوطن أم فقط ما يُظن أنه يحقق نسب مشاهدة؟
وهل المشاهد يطلب الرديء حقًا، أم أن الرديء يُفرض عليه حتى يعتاده؟
الدراما المصرية لم تكتسب قوتها التاريخية لأنها لاحقت السوق، بل لأنها صنعت الذوق العام. أعمال خالدة بقيت في الذاكرة لأنها رفعت الإنسان ولم تُسطِّحه، ناقشت الفقر دون تمجيده، وكشفت الجريمة دون تحويلها إلى بطولة، وقدّمت الصراع الأخلاقي باعتباره طريقًا للارتقاء لا للانحدار.
أما اليوم، فنحن أمام ظاهرة أخرى: تضخم إنتاجي بلا ضرورة ثقافية واضحة.
نحو اثنين وعشرين مسلسلًا تُعرض دفعة واحدة في رمضان. وهنا يبرز سؤال منطقي بسيط:
من أين يجد المواطن الوقت لمتابعة هذا الكم الهائل؟
وهل الهدف إشباع فني حقيقي أم سباق إعلاني واستهلاكي؟
الأخطر أن هذا الزخم الدرامي يتزامن مع شهرٍ له خصوصيته الروحية. رمضان، في جوهره، شهر العبادة والتقوى ومراجعة النفس والتخفف من الاستهلاك، فإذا به يتحول إعلاميًا إلى موسم سهرٍ طويل، وإغراقٍ بصري، وتنافسٍ محموم على جذب الانتباه لساعات تمتد حتى الفجر.
فهل تتناسب هذه الهجمة الدرامية المكثفة مع روح الشهر الفضيل؟
أم أننا نعيد تشكيل رمضان وفق منطق السوق لا وفق قيمه الإنسانية؟
القضية إذن ليست ضد الدراما، بل دفاعًا عنها.
فالدراما قوة ناعمة خطيرة؛ تبني العقول كما يمكن أن تهدمها، وتغرس الانتماء كما قد تُضعفه.
فهل ما يُقدَّم اليوم يرقى إلى الفن الراقي الهادف المرتبط بأولويات المجتمع؟
أم أصبح جزءٌ معتبر منه مجرد تسلية سريعة وتسويقٍ للسطحي والعابر؟
وهل من المنطقي أن تتراجع سير عظماء مثل أحمد زويل، ونجيب محفوظ، ومجدي يعقوب، وأبطال العسكرية المصرية من أمثال عبد المنعم رياض وإبراهيم الرفاعي، ورواد الاقتصاد الوطني كـ طلعت حرب، لصالح شخصيات لا تقدم سوى نماذج التشوه الاجتماعي؟
إن الأمم لا تُبنى فقط بالمشروعات والاقتصاد، بل بالصورة الذهنية التي تغرسها في عقول أبنائها عن معنى النجاح والبطولة والقدوة.
ولهذا يبقى السؤال الأهم، الذي تتجاوز إجابته صناعة الدراما إلى مستقبل المجتمع نفسه:
هل نريد دراما تصنع الإنسان… أم دراما تستهلكه؟
هل نبحث عن فنٍّ يرفع الوعي… أم محتوى يملأ الوقت فقط؟
بين رسالة الوطن ومنطق السوق، تقف الدراما المصرية اليوم أمام اختبار حقيقي؛ اختبار لا يتعلق بالمشاهدة وحدها، بل بما سيبقى في وجدان جيلٍ كامل بعد أن تُطفأ الشاشات.
كاتبه المقال إيمان سامي عباس